أشياء تعلمتها في 2019 (1)

كان العام المنصرم زحما بالنسبة لي، زاخرا باكتشافات شتى متنوعة و لكنها تصبّ جميعا في باب واحد هو “فن العيش”. اكتشافات و أشياء عديدة تعلمتها و كان لها وقع كبير علي فكرا و شعورا، فارتأيت أن أدونها عسى أن يستفيد منها عابر من هنا، كما ارتأيت أن أقسمها الى مقالتين حتى لا يتجاوز طول هذه المقالة حدّا يثير الضجر.

  • تمرينات اليوغا :

لطالما كنت مفتونة بالتأمل الى حد بعيد. بدأت هذه الفتنة مع بداية سني مراهقتي حين شعرت بحاجة ماسة لإغماض عينيّ و الاستغراق في عالمي الخاص الفسيح –تأمل اقرب الى احلام اليقظة الجميلة- جالسة في وضع التربع في محاولة اتباع  ارشادت للتأمل صادفتها على موقع الكتروني، غير اني اكتشفت فيما بعد انها تعليمات ناقصة و اني لن ابلغ النرفانا (و هي أعمق حالات السلام النفسي و أقصى درجات التأمل) التي أحلم بها ابدا بالاعتماد عليها، بل لن ابلغ حتى المرحلة الاولى من التأمل.. و بعد بحث قصير ادركت اني بحاجة الى معلم حقيقي، و هو امر مستحيل في موطني، و هكذا تخليت عن الامر. ثم تذكرته بعد تجاوزي سن العشرين – حين ادركت ان نفسيتي تزداد تدهورا و اني بحاجة ماسة الى التأمل- غير أني كنت مشغولة بشتى الامور، او بالاحرى كنت اشغل نفسي عن الحقيقة. كانت الانترنت قد صارت عالما كاملا يحوي كلّ ما يخطر ببال أحد، و لكني تقاعست عن البحث كثيرا، و أجّلته من شهر لاخر و من عام لما يليه.

ثم جاءت المفاجأة قبل نحو شهرين، بعد أن أصبحت رغبتي في مماسرة التأمل جزءا من الماضي، و كان الفضل عائدا الى توصيات اليوتيوب في اظهار فيديو لقناة باسم “شدانا يوغا”. فتحت الفيديو الذي شدني اسمه “تمارين يوغا للمبتدئين تماما” و كان مبهرا بحق. تعرض فيه صاحبة القناة حركات جسدية بسيطة تدعى “تمارين اليوغا” كما و طرائق للتنفس العميق، و اعتقد انها الطريق التي احتاجها لأعبر الى التأمل و عوالمه الرحبة. واظبت على القيام بالتمارين مرتين في الاسبوع، و أحيانا أكثر. و أحببت كثيرا طريقة شدن الساحرة في التقديم و بساطتها في الشرح بالتناغم مع حركات جسدها الرشيقة و صوتها المهدئ. ما أشعر به الآن  هو عجز بالغ عن وصف حالة السلام الداخلي التي تجتاحني لدى ممارستي و فراغي من هذه التمارين، كما و تستمر طيلة النهار، كأن روحي ترفرف –مع كل نفس عميق- عاليا بدون قيود، ناهيك عن الراحة الجسدية التي لا تسفر عنها التمارين الرياضية الاعتيادية. و سررت لملاحظتي أن مستوى توتري و قلقي قد انخفض كثيرا و أن شعوري بالرضا و الامتنان قد تضاعف بينما كان يوشك على التلاشي. و ذلك رغم اني لم ابدأ بعد في ممارسة التأمل الحقيقي، هذا الفن الروحاني الأصيل الذي تحتاجه النفس كما يحتاج الجسد الطعام و الشراب.

صاحبة القناة “شدن نصار” أثناء احدى جلسات اليوغا في أحضان الطبيعة.
  • الـ journaling :

كان الفضل هذه المرة ايضا يعود الى اليوتيوب و توصياته التي أقر انها أضافت الى حياتي تفاصيلا كثيرة. اذ كشف لي هذا الموقع النفيس، ذات ليلة صيفية دافئة، عن قناة اجنبية (لم أعد أذكر اسمها) تهتم بفن يدعي الـ journaling . أتذكر شعوري حينئذ، ذهول عميق غمرني بينما عيناي شاخصتان في تلك الفيديوهات لفترة غير قصيرة.. “أنا الشغوفة بصنوف الفنون لم يحدث أن سمعت يوما بهذا الفن الجميل الغريب” هكذا حدّثت نفسي. كنت اعتقد –مثل معظم الناس- ان ثمة صنفا واحدا من التدوين الشخصي و هو التدوين اليومي في أجندة او دفتر خاص، و الذي اعتمده بعضنا في مرحلة ما من طفولته. لكني و بعد بحث طويل ممتع اكتشفت صنوفا لا تحصى من “تدوين الحياة” هكذا أسميته بداية، لأن التدوين فيه لا يكون مركزا على توثيق الاحداث الكبيرة و لا اراء الشخص فقط، بل يشمل توثيق الماضي بأصغر ذكرياته و الحاضر بأدق تفصيلاته كما و التخطيط للاتي بترقب و أمل، بالاضافة الى امكانية توثيق كل ما ينضح به ذهن المرء من أفكار مبدعة و تفاصيل سرية، كما و ترتيبها و تنسيقها حتى يبدو الدفتر كتحفة فنية ساحرة للألباب.

في البداية رغبت في امتلاك كل انواع دفاتر الـ journaling ، خاصة مع امتلاكي كمّا من الدفاتر الخالية ذات الأغلفة  الجميلة التي تكدست منذ اعوام دون ان أفلح في العثور على كلمات مناسبة او اشياء جميلة تستحق أن تمتلئ بها. و لكنها كانت رغبة طائشة تجاهلتها قبل أن أشرع في تنفيذها. و وقع اختياري أخيرا على صنفين فقط، و هما اللذان رغبت بشدة في تجربتهما. اخترت للصنف الأول دفترا بسيطا و شرعت في تخطيطه ليأخذ شكل bullet journal.. كان ذلك قبيل نهاية شهر جويلية، متجاهلة الفكرة التي توصي بانتظار بداية العام الجديد لبدأ هذا المشروع الحياتي الممتع، بل لم أنتظر حتى بداية الشهر المقبل. ساعدني تطبيق pinterest كثيرا في جمع أفكار حول ما يمكن أن يحتويه هذا الدفتر من تخطيطات و تقسيمات و تنسيقات، كما حول طرائق تزيينه (الامر الذي لم اكن مولعة به كثيرا خاصة بسبب استحواذه على الكثير من الوقت، رغم افتتاني بالصور الجميلة لدفاتر ملئى بالألوان و الزخارف) و هكذا خططت العشر ايام المتبقية من شهر جويلية.

كانت الصفحات تمتلئ يوما بعد آخر، تارة بجدول المهام اليومية و تارة بأسماء كتب و أفلام و تارة بمفاهيم و أفكار أرغب في تذكرها و تارة بملاحظات وجيزة حول أمور شتى. لا أنكر اني تعثرت كثيرا، أخطأت مرارا و قمت بتمزيق الكثير من الصفحات، و هو ما يحدث كلما بدأ المرء شيئا جديدا. لكن خبرتي صقلت بعد خمسة أشهر من مراقبة أفعالي و عاداتي و توثيق أحلى لحظاتي و أجمل منعطفات حياتي اليومية على الورق. بامكاني القول أخيرا أنها كانت تجربة مثمرة جدا، خاصة بالنسبة لشخص -مثلي- يعاني من النسيان و التشتت الذهني، و كما ساعدتني تمارين اليوغا ساعدني هذا الفن الذي صرت أجتهد في ممارسته بقدر ما يتيحه لي الوقت و الجهد، برغم وجود فترات انقطاع دورية و استغنائي في الشهر الأخير عن التخطيط اليومي للمهام بسبب شعور بالتقيد و الضغط، يتبعه شعور بالاستياء في اخر اليوم.

نموذج لصفحة أول الشهر..
الصورة من pinterest لصفحة تخطيط يومي .. الرسومات و الالوان اختيارية و شخصية

أما الصنف الثاني فكان عبارة عن مزيج –ابتدعته بعد حاجة اليه- بين صنفين من الـjournaling هما : الـdaily life journaling -و هي عادة التدوين اليومي العادي- و الـmorning pages -و هي عادة تنص على الالتزام بكتابة ثلاث صفحات ذات مواضيع عشوائية في كل صباح- و لا يمكنني وصف الحجم الهائل من الهدوء و الانتعاش اللذان منحني اياهما هذا النوع من التدوين، الذي لم يكن مقتصرا على توثيق الحاضر بما فيه من احداث رتيبة متتالية، بل صار وسيلة لتفريغ الشحن السالبة المتراكمة في داخلي، و كذا توثيق حالاتي النفسية دائمة التبدل مع اسبابها ونتائجها، و بدا الامر كأني أمسك بعالمي بكلتا يدي بدل ان اغرق فيه و أتشتت. و صار الدفتر ذو الخطوط الخفيفة المتوازية صديقا حميما مصغيا لأشجاني و همومي و هواجسي الصغيرة في كل وقت. لم ألتزم قط بوقت أدوّن فيه كل ما يخطر ببالي و ما يدور في عوالمي السرية جميلا كان أو موحشا، كما لم ألتزم بالتدوين كعادة يومية طيلة الخمسة أشهر الماضية، بل كانت ثمة فترات انقطاع طويلة و أخرى قصيرة. و كان أكثر ما ساعدني هو اتباعي أسلوبا في الكتابة يدعى flow writing و من خلاله لا يجد المدوّن نفسه ملزما بتشذيب حروفه و لا بسَلسلة جمله، بل ينطلق في الكتابة حرّا واثبا بين الأفكار و المشاعر و الخواطر و الذكريات و اليوميات و الأحلام، كأن روحه تنساب مع نهر صاف رقراق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s